الشيخ محمد رشيد رضا

360

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إن اللّه تعالى أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الانسان الطويل من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فالتين إشارة إلى عهد الانسان الأول فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين ، وعندما بدت له ولزوجته سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق التين . والزيتون إشارة إلى عهد نوح عليه السّلام وذريته وذلك لأنه بعد أن فسد البشر وأهلك اللّه من أهلك منه بالطوفان ونجى نوحا في سفينته واستقرت السفينة نظر نوح إلى ما حوله فرأى المياه لا تزال تغطي وجه الأرض فأرسل بعض الطيور لعله يأتي اليه بخبر انكشاف الماء عن بعض الأرض فغاب ولم يأت بخبر فأرسل طيرا آخر فرجع اليه يحمل ورقة من شجر الزيتون فاستبشر وسرّ وعرف أن غضب اللّه قد سكن ، وقد أذن للأرض أن تعمر . ثم كان منه ومن أولاده تجديد القبائل البشرية العظيمة في الأرض التي محي عمرانها بالطوفان ، فعبر عن ذلك الزمن بزمن الزيتون . والاقسام هنا بالزيتون للتذكير بتلك الحادثة وهي من أكبر ما يذكر به من الحوادث . وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعد ما تدنست جوانب الأرض بالوثنية ، وقد استمر الأنبياء بعد موسى يدعون قومهم إلى التمسك بتلك الشريعة إلى أن كان آخرهم عيسى صلّى اللّه عليه وسلّم جاء مخلصا لروحها مما عرض عليه من البدع ، ثم طال الأمد على قومه فأصابهم ما أصاب من قبلهم من الاختلاف في الدين ، وحجب نوره بالبدع واخفاء معناه بالتأويل ، واحداث ما ليس منه بسبيل ، فمنّ اللّه على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ويفصل بين ما سبق من أطوار الانسانية وبين ما يلحق ، وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة واليه أشار بذكر البلد الأمين وعلى هذا القول الذي فصلنا بيانه يتناسب القسم والمقسم عليه كما سترى » اه المراد منه ومن هذا الشرح تعلم أن ذلك العالم التركي على علم لا يشاركه مصطفى كمال باشا في شيء منه ، وانه مصيب في تقدير زمن الجواب بنصف ساعة كما تعلم أن الترجمة التركية لن تكون الا قاصرة عن احتمال مثل هذا التفسير ، وانها تمهيد للاضلال والتكفير سبحان اللّه ! انشك في كون مراد ملاحدة الترك بترجمة القرآن التوسل بها